الشيخ داود الأنطاكي
291
النزهة المبهجة في تشحيذ الأذهان و تعديل الأمزجة
العشق هذه العلة أدخلها الأطباء في أمراض الدماغ مع أنها علة عامة . قال أبقراط : العشق نصف الأمراض ؛ لأنه على النفس وباقي الأمراض على البدن . وقال المعلم الثاني : بل هو ثلثاها ؛ لأنه يلحق البدن ، فيرميه بالهزال وتغير اللون والخفقان . وإنمّا ذكروه هنا ؛ لأنه يفضي إلى الجنون أخراً وللحكماء فيه كلام كثير حررناه مستوفىً في مختصر المصارع . وحاصل القول فيه : أنه شغل القلب والحواس بتأمل العين أو الأذن ثم يزيد بحسب صحة الفكر ولطف المزاج ، ومادته إستحسان بعض الصور والأصوات وصورة الاستغراق فيما استحسن ، وآلته التفكر ، وغايته الأخذ عما سوى المعشوق . قيل : وعنه إذا أفرط . ويحصل غالباً للمتفرغين عن الشواغل والشبان وأهل الثروة ، وله مراتب ومبادئ ، وعلاماته معلومة من النبض بالأختلاف والصحة عند ذكر المحبوب وما قاربه في الصفات ، ومن القارورة بالصفاء ، ومن اللون بالصفرة مع كثرة التلون ، وفي أوله بالزينة في اللبس والاشتغال بغزل الشعر . قال المعلم : وهو يشجع الجبان ويسخّي البخيل ويرفع الوضيع . قال أبقراط : العشق لا يحصل لغليظ الطبع ولا فاسد المزاج ولا وضيع الهمة ، وقال فولس : من لم يطرب بسماع الأوتار ولا يهش لتأمل الأزهار ولا يلهيه الماء والأطيار فبينه وبين العشق سد . وهذا مأخوذ من قولهم : من لم يطربه العود وأوتاره والربيع وأزهاره فهو فاسد المزاج محتاج إلى العلاج ، وموضع استقصائه كتب مفردة . العلاج : إن أمكن وصال المعشوق فلا شيء أجود منه وإلّا حيل بينه وبين سماع الأغزال والأغاني والآلات المطربة والطيور المصوتة ، وأمر بالجماع والنظر في الحساب والدخول في المخاصمات وما يشغل الفكر كالتصوير والمساحة . ومن الخواص المجربة : غسل ما دار على العنق من ثوب المعشوق وشرب مائه . قالوا : وكذا شرب النيل الهندي « 1 » إلى أربع شعيرات ، وكذا الحرمل وربط قراد الجمل على كم العاشق دون علمه
--> ( 1 ) 1 ) النيل الهندي : ويقال ( ( نيلج ) ) هو الوسمة والخطر والغطلم . وهو نبت هندي متفاوت الأنواع يخرج على ساق ثم يتفرع ثلاثاً بورق إلى الاستدارة وزهر إلى الغبرة يخلف بزراً هو القرطم الهندي ، وأجود أنواعه : الشركسي ، وهو الضارب إلى الخضرة ، فالمهجمي وهو الأزرق وباقي أنواعه دون ذلك . ( تذكرة أُولي الألباب ج 1 ، ص 713 ) ولاحظ ( جامع المفردات لأبن البيطار ج 4 ، ص 487 ) . )